الشيخ بداه الإمام المجدد / محمد الأمين بن الشيخ بن مزيد

رسالة الخطأ

Deprecated function: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in menu_set_active_trail() (line 2386 of /home/alalaka1/public_html/includes/menu.inc).
اثنين, 2018-05-07 15:31

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فإن مجال القول في الإمام المجدد بداه بن البوصيري واسع الميدان متعدد الجوانب ولذلك سأقتصر في هذه الكلمة الموجزة على جانب واحد من جوانب التجديد عند هذا الإمام الفذ .
وفي البداية لا بد من ترجمة موجزة للإمام المجدد بداه ولد البوصيري
فهو الشيخ محمدُّ بن محمدُّ بن حبيب بن أحمدُّ بن البوصيري بن محمذٍ بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم (أبوهم )
وأمه صفية بنت الشيخ محمدُّ بن حبيب الرحمن .
ولد الشيخ بداه سنة 1338 للهجرة النبوية الموافق 1921للميلاد وقد حفظ القرآن في فترة وجيزة على على يد الشيخ عبد الله بن أحمدُّ ) ثم درس على خاله محمد النابغة بن الشيخ محمد ُّ بن حبيب الرحمن وعلى خاله الشيخ محمد (بدن) بن الشيخ محمد بن حبيب الرحمن وعلى الشيخ التاه ولد يحظيه ولد عبد الودود وعلى الشيخ أحمد محمود بن عبد الحميد الملقب (ممُّ) وعلى الشيخ محمد سالم بن المختار بن المصطفى الملقب ألما وعلى الشيخ محمد بن حمينه وعلى محمذ باب بن داداه الأبهمي الديماني وعلى الشيخ أحمدُّ بن الشيخ محمدُّ بن احمذي الحسني وعلى الشيخ سيدي الفاضل بن محمود المجلسي نسبا الحسني البنعمري وطنا الذي أجازه في قراءة نافع سوى طريق أبي بكر الأصبهاني عن ورش عن نافع .وقد أخذ الطريقة القادرية على خاله الشيخ محمذفال بن الشيخ محمدُّ وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد سالم بن المختار بن ألما
وبعد هذا التطواف في المحاظر العلمية والتلقي عن الشيوخ ألقى عصا الترحال في انواكشوط في سنة 195 6وأقبل على نشر العلم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ألف ما يقرب من سبعين كتابا ورسالة منها :
الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد
القول المبين في الرد على من قال بالتزام مذهب معين .
تذكرة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ .
إعلام الجماعة بوجوب العمل بخبر الإذاعة .
حسن التقاضي من والدنا القاضي .
الحجج المتكاثره في صحة الصلاة في الطائره.
تنبيه الأنام على مشروعية القراءة حال جهر الإمام
اللمع في رفع شأن الجمع
سلم التحقيق في جواز نقل الجمعة من العتيق .
الكتائب الشرعية في صد هجوم القوانين الوضعية
القول السديد في الرد على أهل التقليد
وكانت وفاته صبيحة يوم الخميس الحادي عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1430
وفي بداية هذا الحديث أيضا لا بد من كلمة موجزة عن التجديد فأقول وبالله التوفيق
روى أبو داود
عن أبى علقمة عن أبى هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها
قال العراقي سنده صحيح
هذا الحديث فهمه بعض العلماء على أساس أن من يبعثه الله لتجديد الدين على رأس كل مائة سنة لا يلزم أن يكون واحدا يتولى مهمة تجديد الدين كله ، وإنما يجوز أن يكون هناك جماعة من المصلحين كل واحد منهم يجدد في مجال من مجالات الدين .
قال النووي عند حديث (لاتزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )
: "يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون ، ومنهم زهاد ، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين ، بل قد يكونون متفرقين فى أقطار الأرض ."
قال ابن حجر :
" ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها أنه لا يلزم ان يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائقة وهو متجـــــــــه فان اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد ، إلا ان يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه كان القائمَ بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير ، وتقدمه فيها ،ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه وأما من جاء بعده فالشافعي وان كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كلُّ من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا ."
بل قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتاب "النهاية": "وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر - والله أعلم - أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء؛ من مفسرين، ومحدثين، وفقهاء، ونحاة، ولغويين... إلى غير ذلك من الأصناف، والله أعلم "
إذا كان الأمر كذلك فإن الإمام بداه واحد من هؤلاء المجددين
مجالات التجديد عند الإمام بداه :
لقد جدد الإمام بداه في مجال الفقه وفي مجال العقيدة وفي مجال التصوف وفي مجال الدعوة وفي مجال التعامل مع السلطة
,والوقت لا يسمح بالحديث في كل مجالات التجديد لذلك سيكون الحديث عن التجديد في مجال الفقه .
لقد جدد الإمام بداه في مجال الفقه فقد كان الاعتماد في هذه البلاد على مختصر خليل وشروحه وما تفرع عن ذلك ، وكان الفقيه المحظري لا يكاد يخرج عن هذه الدائرة فلما جاء الإمام بداه أعلن دعوته إلى الكتاب والسنة فقها وعملا ، وبدأ يرد الفروع إلى أصولها ويناقش موافقتها للدليل ومخالفتها وعللها ووجاهة تلك العلل ، وكان في تدريسه للفقه ينبه الطلاب على الراجح في المسائل المختلف فيها ، وكان في كثير من الأحيان يجد من أئمة المذهب من ذهب إلى الرأي الراجح ، وقد شرع في تأليف كتاب لم يتمه في هذا المجال وهو ( منح الجليل فيما عارض المختصرَ من الدليل )
وقد ألف بداه الكتب التي جددت في هذا المجال ودعمت دعوته إلى الكتاب والسنة ودحضت الشبه التي تثار حول الموضوع ، واعتمد في هذا المجال على الكتب المسلمة المعتمدة عند فقهاء هذه البلاد ، بل استطاع أن يحشد النقول التي تدعم هذا التوجه عند علماء هذه البلاد .
ومن الكتب التي ألفها في هذا المجال كتابه القول المفيد في ذم فادح الاتباع وفادح التقليد
وبالمناسبة كلمة فادح من الفصيح في القاموس المحيط
"فَدَحَه الدَّيْنُ كمَنَعَ : أثْقَلَه . وفَوادِحُ الدَّهْرِ : خُطوبُه . وأفْدَحَ الأَمْرَ واستفدَحَه : وَجَدَه فادحاً أي : مُثْقِلاً صَعْباً . والفادِحَةُ : النَّازِلَةُ "
وفي هذا الكتاب : القول المفيد حشد النصوص الدالة على ذم التقليد الحاضة على اتباع الكتاب والسنة وسلك الطريق الوسط كعادته بين المفرطين والمفرِّطين وهذه الوسطيه من ملامح تجديده المتميزة .
وفي هذا المجال كتب نظمه الحجر الأساس لمن أراد شرعة خير الناس
وفيه يقول
وإنني أدعو إلى الذي دعا له الأمين وبه قد صدغا
ولم أزهد أحدا في الرأي إلا إذا نأى أشد النأي
والجاهلون لم أقل يستنبطون بل يسألون العلماء ويغبطون
قلت كتاب الله لا بأس إذا ما قالت الأعلام فيه أخذا
ومثله سنة خير الخلق مُثْنًى عليه بعظيم الخُلق
إلى أن يقول
حاصل ذا أن خليلا إن أتى أقرئه أدعوا له كل فتى
ومثل ذاك سنة المختار مهما أتت أقرئها للقاري
مع حثه على تعلم لها من أجل أن كل ندب ملها
ولم أقل سوى كلام الشارحين لها بقول واضح فصل مبين
فإن يكن خليل وفقها فلا ضير إذن نور على نور علا
وإن يكن فيه الخطا بيَّنَت خطأه بآية بيِّنة
تلك هي دعوة الإمام بداه عودة عادلة إلى الكتاب والسنة لا تظلم الفروع ولا تبخس الفقهاء حقهم إنما هي تجديد يتضمن إحياء فقه ابن عبد البر وابن العربي وابن رشد والقاضي عياض والقرطبي صاحب الجامع لأحكام القرآن والقرافي وغيرهم كما تتضمن إحياء فقه أعيان علماء شنقيط وفي ذلك يقول الإمام بداه :
ثم الجمود عنه قد نهاكم محمد اليدالي ما ألهاكم
ونجل متال بدا من قوله هذا المقال وبدا من فعله
وهو ما هو هو العجاَّج بحر الهدى ووبله الثجاج
والشيخ ما العيون ثم المامي نهاكم وهو شيخ سامي
شيخ الشيوخ شيخنا الكنتي وباب باب هديُه مرضي
وغيرهم من علما زمانكم توبوا إلى بارئكم من آنكم
لا تزجُروا عن سنَّة المختار مُحْييَها ابتغاء وجهِ الباري
إن قلتم هذا خلاف الناس فالناس ماذا الناس يا أناسي
الناس في قول الإمام مالك العلما وقول كل ناسك
وجاهل الذكر نفوا عنه الصفه أي ذاته بالجهل قل متصفه
وقد ألف الإمام بداه كتابه المشهور أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك فبسط فيه دعوته ووضح رسالته ، واعتمد على نقول أئمة المذهب ، ورجع إلى الكتب المعتمدة في هذه البلاد ،
وشرح في الفصول الأولى منه كلمات وردت في خطبة مختصر خليل وهي كلمة ( التحقيق) من قوله ( أبان الله لي ولهم معالم التحقيق ) وكلمة (المذهب) من قوله (مختصرا على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى ) ومصطلح ( مابه الفتوى ) من قوله (مبينا لما به الفتوى )
فبين أن التحقيق مصدر حقق الشيء أثبته بالدليل أو أتي به على الوجه الحق ولو لم يذكر الدليل وخلص إلى أن من يقتصر على الفتوى من كتب الفروع ليس من أهل التحقيق في شيء
وبين أن المذهب ما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية وأن ما نُص عليه في الكتاب والسنة لا يعتبر مذهبا لأحد من المجتهدين
وبين أن مابه الفتوى هو المشهور وهو ما كثر قائله والراجح وهو ما قوي دليله وأن الراجح مقدم على المشهور عند التعارض .
وكانت مقدماتٍ حكيمة ًتنقل المقلدين بلطف ورفق إلى العودة إلى الكتاب والسنة .
وفد عرض الإمام بداه كتابه هذا على أعيان علماء البلد فرضوه وقرظوه ولم يرد عليه إلا القليل منهم ومن المقرظين :
محمد عال بن عبد الودود
والمختار ولد ابلول
والشيخ عبد الله ولد داداه
والمحدث محمد بن أبي مدين
ولمرابط محمد سالم بن محمد عال بن عدود
والشيخ أحمدُّ بن محمذفال
والقاضي محمد عبد الله ولد محمد موسى
والقاضي لمام بن اشريف
والمؤرخ المختار بن حامدن
ومحمد سعد بوه انَّ بن الصف
والشيخ محمدفال بن القاضي محمدِّن بن لمرابط محمذن فال بن أحمدُّفال
والأستاذ محمد سالم بن أبي المعالى
والشاعر المختار السالم بن علي
وقد اخترت أربعة نماذج من هذه التقاريظ تدل على ما سواها
فقد كتب محمد عال بن عبد الودود
يا من يريد صلاة صححت هاهي أبان عنها كتاب الشيخ بداه
ما كان أهدى طريقا سار يسلكها في منكرات من الأفلاء أشباه
كم ضل من ظل يهوي في مناكبها أو باد أو كاد في مجهولها الداهي
قد سار فيها برفق سير ذي رشد حتى استبان هداها كلُّ تياه
فأخرج الدر من أعماقها لقطا والدر يمتاز من أشباه أشباه
عليه أرقام إسلام تميزه لا من ركازٍ بدفن الجاهل اللاهي
فليس يرتاب فيها غيرُ مبتدع أو جاهل بصلاة المصطفى ما هي ؟
يزدان سلك نظامي من جواهرها وما بها حاجة للواهن الواهي
فالدر يزهو بلا سلك لمختبِر والسلكُ من دون در ليس بالزاهي
سلم يمينا شمالا غير محتشم لا جاهلَ الحكم كلا لا ولا ساهي
واصنع كما شئت لا تستحْي من أحد فاسكت لدى سكتا ت الآمر الناهي
وانحر وأمِّن وزد قبضا وبسملة واقنت لربك عند الداهم الداهي
هذا وآخر دعوانا وأولها قبل ابتداء السلام الحمد لله
وقرظه القاضي لمام بن اشريف بن الصبار فكتب :
الحمدُ لله وبعدُ فإني تصفحت مصنَّفَ العلامة البركة القدوة الداعي إلى الحق بالحق إمامنا وأستاذنا بداه بن البوصيري الذي سماه أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك ، وتتبعته جزئية جزئية فوجدت المسمى عين الاسم لا مجرد عبارة عنه ، ووجدت مصنِّفه قد أبان الله تعالى له ولمن أزَّره وعزَّره على الحق من كل ذي أذن واعية وقلب سليم معالمَ التحقيق ، وفهَّمه المرادَ به بإرشاد وتوفيق فقاده التحقيقُ إلى بيان وتبيان ما يصْدُق عليه اسمُ المذهب في اصطلاح الفقهاء وغيرهم ، وإلى إبراز ما تجب به الفتوى ، وإلى إيضاح الفوارق بين الكراهة الشرعية التي هي إحدى أقسام الشرع والكراهة المذهبية الإرشادية ، وإلى تزييل ما يُقْبَل حجةً من عمل أهل المدينة عما لم يكن حجة منه ، وإلى إبداء حكم السكتات في الصلاة ، والبسملةِ في الفرض جهرا وإسرارا ، والتسليمتين من الصلاة والتأمينِ جهرا فوالله الذي لا إله إلا هو إن علمت عليه في ذلك كله أمرا أغمصه عليه أكثرَ من سعادته الأزلية ، وإصابته الأبدية ، وما ذلك إلا لعناية من الله سابقة دعته إلى إحياء سنن نبوية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد أن طالما أميتت فأقبرت ، فاندعى إلى إحياء تلك السنن كي يحصل بإحيائها على ما في ذلك من الوعد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأشهد بالله تعالى أنه جلب على الموضوع من نصوص المصنفات المالكية والتي تقفَّتْها شروحُها ومُحشُّوها متقدِّمهم ومتأخِّرهم ، بما فيه مَقْنع للمُنصِف ، ومَقْمَع للمتعنت ، ما هو كاف شاف في أصوبية وأولوية إحياء العمل بتلك القرب ، وما نرى مُنكِرَها إلا مُبطِلا مُلِدًّا جاحدا كاتما أو جاهلا ما علم من الدين ضرورة . وكتب مذعنا للحق مسلِّما لجميع ما احتوى عليه هذا المصنَّف من مقدمته إلى غاية ما انتهى إليه ."
وقرظه المحدث محمد بن أبي مدين فقال
جلا ظلماتِ الجهل عن كل حالك ضياءُ نصوص ضمن أسنى المسالك
أهاب بها فاستوسقت وتألقت إمامُ الهدى الجالي سوادَ الحوالك
فكم قصمت منها الصوارم من طُلى حسود وفلت غربَه بالنيازك
كما أرشد الإرشاد منها إلى الهدى مقلدةً وانتاشها من مهالك
أبان بها للمبتغين نجاتهم صلاةَ الرسول المصطفى والملائك
وأخبر من قد آثروا قولَ مالك على قول طه في موطإ مالك
فخابوا وخاضوا في اغتياب سواهم بفذلكة من ترهات الفذالك
بأنهم قد خالفوا الله أولا وما سنه الهادي مقيم المناسك
وما قد روت عن مالك وقت موته أئمة صدق من ثقات الموالك
كما قد أتى في جامع العلم يوسف به وبه القاضي أتى في المدارك
جزا مالكا عن نصره واحترامه لسنة طه مالكي بالأرائك
فشُد على أسنى المسالك يا فتىً يمينا ولا تسمع مقالا لآفك
به راض بداهُ الحرون ولم يقل لفارك علم ما يقال لفارك
وقرظه المؤرخ المختار بن حامدن بقوله :
أيخرجني عن مذهب الحبر مالك ولو أنني في الفقه غيرُ مشارك
أن اخترت منه ماعرفتُ دليله ومُدركَه من مسنداتِ المدارك
وسارت أمامي عصبة مالكية مسالكهم في الفقه مسلكُ مالك
تُسلِّم منهم مرتين جماعة وتجهر بالتأمين وفق الملائك
كما بسملت جهرا طوائف ثابرت على سكتات هن من فعل ناسك
كما ضحكت للرفع والقبض منهم رجال فقلنا التمر في فم ضاحك
وهاك نصوص المالكية وحدهم أتت في كتاب الشيخ " أسنى المسالك "
أقيمت على هذا الإمام قيامة وديس بأقدام قست وسنابك
فقال رويدا ليس مذهب مالك سوى سنة المختار من خلق مالكي
فمن يطَّلبه في سواها فقل له وصل على طه وسلم وبارك
"إذا هبطت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك''
''لإن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالك''
رويدكم لا تنكروا غيرمجمع علي فعله فعلَ اللجوج المماحك
فليس على الحكم الخلافي ينبغي عراك بل المطلوب لين العرائك
فخذ ماترى واترك أخاك ومايرى كلانا إذاما أنصف الدهر مالكي
وما واحد منا على خلف قولنا على مذهب الحبر الإمام بآفك
سوى أنني منه قد اخترت راجحا وأنت على مشهوره أي بارك
إذا ما بدت بعض الأقاويل سنة وأصبح شك جاثما في المبارك
أضاءت لنا البيض اليعاليل ليلها نهار سوادَ المشكلات الحوالك
ومن مات في إحياء سنة أحمد يعد شهيدا بل شهيد معارك
وإنك إن وجهت أمة أحمد إلى غيرها ألقيتهم في المهالك
جزى الله بداها عن الدين جنة بيوتاتُه فيها وطاء الأرائك
فقد سار في أسنى المسالك قاصدا وبين فيه سنة ابن العواتك
على انه من مذهب النجم مالك تمسك بالحبل القوىْ المتماسك
أليس على المشهور يرجح راجح لدى كل حبر مالكي وناسك
ولا عيب فيه غير سرعة عوده إلى الحق بالعدو الحثيث المواشك
وأختم قولي بالصلاة مسلما على الخاتم الجائي بختم المآلك
وأخيرا لا يسعني قبل أن أختم إلا أن أتطرق باختصار
لبعض السمات الشخصية للإمام بداه فأقول
كان الإمام بداه من أهل الله بمعنى أنه كان يعيش لله على طريقة شيخه أحمد ولد احمذي الذي كان معجبا به جدا .
والمعاني التي كان يذكرها في (لغن) أيام الاستغراق في التصوف (ملان ما دون معش) هي نفس المعاني التي عاشت معه بعد ذلك ، وهي المعاني نفسها التي كان يركزها في دروسه ، وهي المعاني التي كان يقررها في تدريسه لمنظومة محمد مولود ولد أحمد فال آد : مطهرة القلوب التي كان يحرص على أن يدرسها الطلاب
وهي نفس المعاني التي كان يستفيض في شرحها في دروس التفسير
وكان الإمام بداه عزيز النفس عزة إيمانية ناشئه من قول الله عز وجل ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون )وقول الله عز وجل ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )
وكأن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي الأديب الشاعر قاضي قضاة الري عناه بقصيدته الرائعة التي يقول فيها
يقولون لي فيك انْقِباضٌ وإنما ... رأَوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَمَا
أرَى الناسَ مَن داناهمُ هان عندَهمْ ... ومن أكرَمتْه عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرِمَا
ولم أقْضِ حَقَّ العلمِ إن كنتُ كلما ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرتُه لِيَ سُلَّمَا
وما كُلُّ بَرْقٍ لاح لي يسْتفزُّنِي ... ولا كلُّ مَن في الأرضِ ألقاه مُنْعِمَا
إذا قيل هذا مَشْرَبٌ قلتُ قد أرَى ... ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا
ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهْجَتِي ... لأخدُم مَن لاقيْتُ لكن لأُخْدَمَا
أأشْقَى به غَرْساً وأجْنِيه ذِلَّةً ... إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أسْلَمَا
ولو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوه صانَهُمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظِّمَا
ولكنْ أهانُوه فهَان ودَنَّسُوا ... مُحَيَّاه بالأطْماعِ حتى تجهَّمَا
وكان الإمام بداه يزن الناس وفق معايير الدين فمن رفعه الدين رفعه ومن وضعه الدين وضعه ، وكان يسمي أصحاب السلطان والجاه الذين لا يهتمون بأمر الدين (بأهل روصْهم ) ولقد أحيا الله بالإمام بداه علم الكتاب والسنة ولم يكتف في ذلك بتأليف الكتب بل ناضل في هذا السبيل وحاور وناقش وفرَّغ وقته وجهده لهذا الأمر وأعلن ولم يجامل ولم يحاب
وأوصل خطابه للعامة بعد أن أوصله للنخبة وصار من يحضرون درس الإمام بداه يدركون كثيرا من المسائل الفقهيه والأصولية نتيجة لتكرار الشيخ بداه لها وتوضيحها وشرحها
وقد حفظنا منه هذه الأبيات التي كان يرددها في دروسه
خالفوني وأنكروا ما أقول قلت: لا تعجلوا فإني سئول
ما تقولون في الكتاب؟ فقالوا هو نور على الصواب دليل
وكذا سنة الرسول وقد أفـ ـلح من قال ما يقول الرسول
واتفاق الجميع أصل وما تنـ ـكر هذا وذا وذاك العقول
وكذا الحكم بالقياس فقلنا من جميل الرجال يأتي الجميل
فتعالوا نرد من كل قول ما نفى الأصل أو نفته الأصول
فأجابوا فناظروا، فإذا العلـ ـم لديهم هو اليسير القليل
وحفظنا منه قول منذر بن سعيد رحمه الله:
عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلا: هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا: قال سحنون مثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت: قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعا: أنت قرن مماحك
وإن قلت: قد قال الرسول؛ فقولهم أتت مالكا في ترك ذاك المسالك
وقد تيسرت مهمته التجديديه الإصلاحية لأنه لم يكن خارجا على المذهب المالكي ولا متبنيا لآراء شاذة وإنما كان يرجح ما رجحه الدليل ويختار من أقوال المالكية ما وافق الدليل
وفد ألف في هذا المجال كتبه القيمة التي أحدثت ثورة في مجال التبصر والرجوع إلى الكتاب والسنة وترجيح ما رجحه الدليل وقد حشد الإمام بداه في كتبه النقول عن أساطين المذهب المالكي ووضع بين أيدي العلماء وطلاب العلم نفائس ما كان يتيسر العثور عليها
اللهم اغفر لبداه وارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه فى الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له فى قبره. ونور له فيه ».
من المراجع في ترجمة الإمام بداه المتعلقة بنسبه وتاريخ مولده وشيوخه رسالة تحفة الأواه بالتعريف بابن البوصيري بداه للأستاذ المصطفى بن الشيخ محمذن بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ بداه الإمام المجدد
بقلم / محمد الأمين بن الشيخ بن مزيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فإن مجال القول في الإمام المجدد بداه بن البوصيري واسع الميدان متعدد الجوانب ولذلك سأقتصر في هذه الكلمة الموجزة على جانب واحد من جوانب التجديد عند هذا الإمام الفذ .
وفي البداية لا بد من ترجمة موجزة للإمام المجدد بداه ولد البوصيري فهو الشيخ محمدُّ بن محمدُّ بن حبيب بن أحمدُّ بن البوصيري بن محمذٍ بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم (أبوهم )
وأمه صفية بنت الشيخ محمدُّ بن حبيب الرحمن .
ولد الشيخ بداه سنة 1338 للهجرة النبوية الموافق 1921للميلاد وقد حفظ القرآن في فترة وجيزة على على يد الشيخ عبد الله بن أحمدُّ ) ثم درس على خاله محمد النابغة بن الشيخ محمد ُّ بن حبيب الرحمن وعلى خاله الشيخ محمد (بدن) بن الشيخ محمد بن حبيب الرحمن وعلى الشيخ التاه ولد يحظيه ولد عبد الودود وعلى الشيخ أحمد محمود بن عبد الحميد الملقب (ممُّ) وعلى الشيخ محمد سالم بن المختار بن المصطفى الملقب ألما وعلى الشيخ محمد بن حمينه وعلى محمذ باب بن داداه الأبهمي الديماني وعلى الشيخ أحمدُّ بن الشيخ محمدُّ بن احمذي الحسني وعلى الشيخ سيدي الفاضل بن محمود المجلسي نسبا الحسني البنعمري وطنا الذي أجازه في قراءة نافع سوى طريق أبي بكر الأصبهاني عن ورش عن نافع .وقد أخذ الطريقة القادرية على خاله الشيخ محمذفال بن الشيخ محمدُّ وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد سالم بن المختار بن ألما
وبعد هذا التطواف في المحاظر العلمية والتلقي عن الشيوخ ألقى عصا الترحال في انواكشوط في سنة 195 6وأقبل على نشر العلم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ألف ما يقرب من سبعين كتابا ورسالة منها :
الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد
القول المبين في الرد على من قال بالتزام مذهب معين .
تذكرة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ .
إعلام الجماعة بوجوب العمل بخبر الإذاعة .
حسن التقاضي من والدنا القاضي .
الحجج المتكاثره في صحة الصلاة في الطائره.
تنبيه الأنام على مشروعية القراءة حال جهر الإمام
اللمع في رفع شأن الجمع
سلم التحقيق في جواز نقل الجمعة من العتيق .
الكتائب الشرعية في صد هجوم القوانين الوضعية
القول السديد في الرد على أهل التقليد
وكانت وفاته صبيحة يوم الخميس الحادي عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1430
وفي بداية هذا الحديث أيضا لا بد من كلمة موجزة عن التجديد فأقول وبالله التوفيق
روى أبو داود
عن أبى علقمة عن أبى هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها
قال العراقي سنده صحيح
هذا الحديث فهمه بعض العلماء على أساس أن من يبعثه الله لتجديد الدين على رأس كل مائة سنة لا يلزم أن يكون واحدا يتولى مهمة تجديد الدين كله ، وإنما يجوز أن يكون هناك جماعة من المصلحين كل واحد منهم يجدد في مجال من مجالات الدين .
قال النووي عند حديث (لاتزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )
: "يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون ، ومنهم زهاد ، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين ، بل قد يكونون متفرقين فى أقطار الأرض ."
قال ابن حجر :
" ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها أنه لا يلزم ان يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائقة وهو متجـــــــــه فان اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد ، إلا ان يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه كان القائمَ بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير ، وتقدمه فيها ،ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه وأما من جاء بعده فالشافعي وان كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كلُّ من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا ."
بل قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتاب "النهاية": "وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر - والله أعلم - أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء؛ من مفسرين، ومحدثين، وفقهاء، ونحاة، ولغويين... إلى غير ذلك من الأصناف، والله أعلم "
إذا كان الأمر كذلك فإن الإمام بداه واحد من هؤلاء المجددين
مجالات التجديد عند الإمام بداه :
لقد جدد الإمام بداه في مجال الفقه وفي مجال العقيدة وفي مجال التصوف وفي مجال الدعوة وفي مجال التعامل مع السلطة
,والوقت لا يسمح بالحديث في كل مجالات التجديد لذلك سيكون الحديث عن التجديد في مجال الفقه .
لقد جدد الإمام بداه في مجال الفقه فقد كان الاعتماد في هذه البلاد على مختصر خليل وشروحه وما تفرع عن ذلك ، وكان الفقيه المحظري لا يكاد يخرج عن هذه الدائرة فلما جاء الإمام بداه أعلن دعوته إلى الكتاب والسنة فقها وعملا ، وبدأ يرد الفروع إلى أصولها ويناقش موافقتها للدليل ومخالفتها وعللها ووجاهة تلك العلل ، وكان في تدريسه للفقه ينبه الطلاب على الراجح في المسائل المختلف فيها ، وكان في كثير من الأحيان يجد من أئمة المذهب من ذهب إلى الرأي الراجح ، وقد شرع في تأليف كتاب لم يتمه في هذا المجال وهو ( منح الجليل فيما عارض المختصرَ من الدليل )
وقد ألف بداه الكتب التي جددت في هذا المجال ودعمت دعوته إلى الكتاب والسنة ودحضت الشبه التي تثار حول الموضوع ، واعتمد في هذا المجال على الكتب المسلمة المعتمدة عند فقهاء هذه البلاد ، بل استطاع أن يحشد النقول التي تدعم هذا التوجه عند علماء هذه البلاد .
ومن الكتب التي ألفها في هذا المجال كتابه القول المفيد في ذم فادح الاتباع وفادح التقليد
وبالمناسبة كلمة فادح من الفصيح في القاموس المحيط
"فَدَحَه الدَّيْنُ كمَنَعَ : أثْقَلَه . وفَوادِحُ الدَّهْرِ : خُطوبُه . وأفْدَحَ الأَمْرَ واستفدَحَه : وَجَدَه فادحاً أي : مُثْقِلاً صَعْباً . والفادِحَةُ : النَّازِلَةُ "
وفي هذا الكتاب : القول المفيد حشد النصوص الدالة على ذم التقليد الحاضة على اتباع الكتاب والسنة وسلك الطريق الوسط كعادته بين المفرطين والمفرِّطين وهذه الوسطيه من ملامح تجديده المتميزة .
وفي هذا المجال كتب نظمه الحجر الأساس لمن أراد شرعة خير الناس
وفيه يقول
وإنني أدعو إلى الذي دعا له الأمين وبه قد صدغا
ولم أزهد أحدا في الرأي إلا إذا نأى أشد النأي
والجاهلون لم أقل يستنبطون بل يسألون العلماء ويغبطون
قلت كتاب الله لا بأس إذا ما قالت الأعلام فيه أخذا
ومثله سنة خير الخلق مُثْنًى عليه بعظيم الخُلق
إلى أن يقول
حاصل ذا أن خليلا إن أتى أقرئه أدعوا له كل فتى
ومثل ذاك سنة المختار مهما أتت أقرئها للقاري
مع حثه على تعلم لها من أجل أن كل ندب ملها
ولم أقل سوى كلام الشارحين لها بقول واضح فصل مبين
فإن يكن خليل وفقها فلا ضير إذن نور على نور علا
وإن يكن فيه الخطا بيَّنَت خطأه بآية بيِّنة
تلك هي دعوة الإمام بداه عودة عادلة إلى الكتاب والسنة لا تظلم الفروع ولا تبخس الفقهاء حقهم إنما هي تجديد يتضمن إحياء فقه ابن عبد البر وابن العربي وابن رشد والقاضي عياض والقرطبي صاحب الجامع لأحكام القرآن والقرافي وغيرهم كما تتضمن إحياء فقه أعيان علماء شنقيط وفي ذلك يقول الإمام بداه :
ثم الجمود عنه قد نهاكم محمد اليدالي ما ألهاكم
ونجل متال بدا من قوله هذا المقال وبدا من فعله
وهو ما هو هو العجاَّج بحر الهدى ووبله الثجاج
والشيخ ما العيون ثم المامي نهاكم وهو شيخ سامي
شيخ الشيوخ شيخنا الكنتي وباب باب هديُه مرضي
وغيرهم من علما زمانكم توبوا إلى بارئكم من آنكم
لا تزجُروا عن سنَّة المختار مُحْييَها ابتغاء وجهِ الباري
إن قلتم هذا خلاف الناس فالناس ماذا الناس يا أناسي
الناس في قول الإمام مالك العلما وقول كل ناسك
وجاهل الذكر نفوا عنه الصفه أي ذاته بالجهل قل متصفه
وقد ألف الإمام بداه كتابه المشهور أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك فبسط فيه دعوته ووضح رسالته ، واعتمد على نقول أئمة المذهب ، ورجع إلى الكتب المعتمدة في هذه البلاد ،
وشرح في الفصول الأولى منه كلمات وردت في خطبة مختصر خليل وهي كلمة ( التحقيق) من قوله ( أبان الله لي ولهم معالم التحقيق ) وكلمة (المذهب) من قوله (مختصرا على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى ) ومصطلح ( مابه الفتوى ) من قوله (مبينا لما به الفتوى )
فبين أن التحقيق مصدر حقق الشيء أثبته بالدليل أو أتي به على الوجه الحق ولو لم يذكر الدليل وخلص إلى أن من يقتصر على الفتوى من كتب الفروع ليس من أهل التحقيق في شيء
وبين أن المذهب ما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية وأن ما نُص عليه في الكتاب والسنة لا يعتبر مذهبا لأحد من المجتهدين
وبين أن مابه الفتوى هو المشهور وهو ما كثر قائله والراجح وهو ما قوي دليله وأن الراجح مقدم على المشهور عند التعارض .
وكانت مقدماتٍ حكيمة ًتنقل المقلدين بلطف ورفق إلى العودة إلى الكتاب والسنة .
وفد عرض الإمام بداه كتابه هذا على أعيان علماء البلد فرضوه وقرظوه ولم يرد عليه إلا القليل منهم ومن المقرظين :
محمد عال بن عبد الودود
والمختار ولد ابلول
والشيخ عبد الله ولد داداه
والمحدث محمد بن أبي مدين
ولمرابط محمد سالم بن محمد عال بن عدود
والشيخ أحمدُّ بن محمذفال
والقاضي محمد عبد الله ولد محمد موسى
والقاضي لمام بن اشريف
والمؤرخ المختار بن حامدن
ومحمد سعد بوه انَّ بن الصف
والشيخ محمدفال بن القاضي محمدِّن بن لمرابط محمذن فال بن أحمدُّفال
والأستاذ محمد سالم بن أبي المعالى
والشاعر المختار السالم بن علي
وقد اخترت أربعة نماذج من هذه التقاريظ تدل على ما سواها
فقد كتب محمد عال بن عبد الودود
يا من يريد صلاة صححت هاهي أبان عنها كتاب الشيخ بداه
ما كان أهدى طريقا سار يسلكها في منكرات من الأفلاء أشباه
كم ضل من ظل يهوي في مناكبها أو باد أو كاد في مجهولها الداهي
قد سار فيها برفق سير ذي رشد حتى استبان هداها كلُّ تياه
فأخرج الدر من أعماقها لقطا والدر يمتاز من أشباه أشباه
عليه أرقام إسلام تميزه لا من ركازٍ بدفن الجاهل اللاهي
فليس يرتاب فيها غيرُ مبتدع أو جاهل بصلاة المصطفى ما هي ؟
يزدان سلك نظامي من جواهرها وما بها حاجة للواهن الواهي
فالدر يزهو بلا سلك لمختبِر والسلكُ من دون در ليس بالزاهي
سلم يمينا شمالا غير محتشم لا جاهلَ الحكم كلا لا ولا ساهي
واصنع كما شئت لا تستحْي من أحد فاسكت لدى سكتا ت الآمر الناهي
وانحر وأمِّن وزد قبضا وبسملة واقنت لربك عند الداهم الداهي
هذا وآخر دعوانا وأولها قبل ابتداء السلام الحمد لله
وقرظه القاضي لمام بن اشريف بن الصبار فكتب :
الحمدُ لله وبعدُ فإني تصفحت مصنَّفَ العلامة البركة القدوة الداعي إلى الحق بالحق إمامنا وأستاذنا بداه بن البوصيري الذي سماه أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك ، وتتبعته جزئية جزئية فوجدت المسمى عين الاسم لا مجرد عبارة عنه ، ووجدت مصنِّفه قد أبان الله تعالى له ولمن أزَّره وعزَّره على الحق من كل ذي أذن واعية وقلب سليم معالمَ التحقيق ، وفهَّمه المرادَ به بإرشاد وتوفيق فقاده التحقيقُ إلى بيان وتبيان ما يصْدُق عليه اسمُ المذهب في اصطلاح الفقهاء وغيرهم ، وإلى إبراز ما تجب به الفتوى ، وإلى إيضاح الفوارق بين الكراهة الشرعية التي هي إحدى أقسام الشرع والكراهة المذهبية الإرشادية ، وإلى تزييل ما يُقْبَل حجةً من عمل أهل المدينة عما لم يكن حجة منه ، وإلى إبداء حكم السكتات في الصلاة ، والبسملةِ في الفرض جهرا وإسرارا ، والتسليمتين من الصلاة والتأمينِ جهرا فوالله الذي لا إله إلا هو إن علمت عليه في ذلك كله أمرا أغمصه عليه أكثرَ من سعادته الأزلية ، وإصابته الأبدية ، وما ذلك إلا لعناية من الله سابقة دعته إلى إحياء سنن نبوية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد أن طالما أميتت فأقبرت ، فاندعى إلى إحياء تلك السنن كي يحصل بإحيائها على ما في ذلك من الوعد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأشهد بالله تعالى أنه جلب على الموضوع من نصوص المصنفات المالكية والتي تقفَّتْها شروحُها ومُحشُّوها متقدِّمهم ومتأخِّرهم ، بما فيه مَقْنع للمُنصِف ، ومَقْمَع للمتعنت ، ما هو كاف شاف في أصوبية وأولوية إحياء العمل بتلك القرب ، وما نرى مُنكِرَها إلا مُبطِلا مُلِدًّا جاحدا كاتما أو جاهلا ما علم من الدين ضرورة . وكتب مذعنا للحق مسلِّما لجميع ما احتوى عليه هذا المصنَّف من مقدمته إلى غاية ما انتهى إليه ."
وقرظه المحدث محمد بن أبي مدين فقال
جلا ظلماتِ الجهل عن كل حالك ضياءُ نصوص ضمن أسنى المسالك
أهاب بها فاستوسقت وتألقت إمامُ الهدى الجالي سوادَ الحوالك
فكم قصمت منها الصوارم من طُلى حسود وفلت غربَه بالنيازك
كما أرشد الإرشاد منها إلى الهدى مقلدةً وانتاشها من مهالك
أبان بها للمبتغين نجاتهم صلاةَ الرسول المصطفى والملائك
وأخبر من قد آثروا قولَ مالك على قول طه في موطإ مالك
فخابوا وخاضوا في اغتياب سواهم بفذلكة من ترهات الفذالك
بأنهم قد خالفوا الله أولا وما سنه الهادي مقيم المناسك
وما قد روت عن مالك وقت موته أئمة صدق من ثقات الموالك
كما قد أتى في جامع العلم يوسف به وبه القاضي أتى في المدارك
جزا مالكا عن نصره واحترامه لسنة طه مالكي بالأرائك
فشُد على أسنى المسالك يا فتىً يمينا ولا تسمع مقالا لآفك
به راض بداهُ الحرون ولم يقل لفارك علم ما يقال لفارك
وقرظه المؤرخ المختار بن حامدن بقوله :
أيخرجني عن مذهب الحبر مالك ولو أنني في الفقه غيرُ مشارك
أن اخترت منه ماعرفتُ دليله ومُدركَه من مسنداتِ المدارك
وسارت أمامي عصبة مالكية مسالكهم في الفقه مسلكُ مالك
تُسلِّم منهم مرتين جماعة وتجهر بالتأمين وفق الملائك
كما بسملت جهرا طوائف ثابرت على سكتات هن من فعل ناسك
كما ضحكت للرفع والقبض منهم رجال فقلنا التمر في فم ضاحك
وهاك نصوص المالكية وحدهم أتت في كتاب الشيخ " أسنى المسالك "
أقيمت على هذا الإمام قيامة وديس بأقدام قست وسنابك
فقال رويدا ليس مذهب مالك سوى سنة المختار من خلق مالكي
فمن يطَّلبه في سواها فقل له وصل على طه وسلم وبارك
"إذا هبطت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك''
''لإن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالك''
رويدكم لا تنكروا غيرمجمع علي فعله فعلَ اللجوج المماحك
فليس على الحكم الخلافي ينبغي عراك بل المطلوب لين العرائك
فخذ ماترى واترك أخاك ومايرى كلانا إذاما أنصف الدهر مالكي
وما واحد منا على خلف قولنا على مذهب الحبر الإمام بآفك
سوى أنني منه قد اخترت راجحا وأنت على مشهوره أي بارك
إذا ما بدت بعض الأقاويل سنة وأصبح شك جاثما في المبارك
أضاءت لنا البيض اليعاليل ليلها نهار سوادَ المشكلات الحوالك
ومن مات في إحياء سنة أحمد يعد شهيدا بل شهيد معارك
وإنك إن وجهت أمة أحمد إلى غيرها ألقيتهم في المهالك
جزى الله بداها عن الدين جنة بيوتاتُه فيها وطاء الأرائك
فقد سار في أسنى المسالك قاصدا وبين فيه سنة ابن العواتك
على انه من مذهب النجم مالك تمسك بالحبل القوىْ المتماسك
أليس على المشهور يرجح راجح لدى كل حبر مالكي وناسك
ولا عيب فيه غير سرعة عوده إلى الحق بالعدو الحثيث المواشك
وأختم قولي بالصلاة مسلما على الخاتم الجائي بختم المآلك
وأخيرا لا يسعني قبل أن أختم إلا أن أتطرق باختصار
لبعض السمات الشخصية للإمام بداه فأقول
كان الإمام بداه من أهل الله بمعنى أنه كان يعيش لله على طريقة شيخه أحمد ولد احمذي الذي كان معجبا به جدا .
والمعاني التي كان يذكرها في (لغن) أيام الاستغراق في التصوف (ملان ما دون معش) هي نفس المعاني التي عاشت معه بعد ذلك ، وهي المعاني نفسها التي كان يركزها في دروسه ، وهي المعاني التي كان يقررها في تدريسه لمنظومة محمد مولود ولد أحمد فال آد : مطهرة القلوب التي كان يحرص على أن يدرسها الطلاب
وهي نفس المعاني التي كان يستفيض في شرحها في دروس التفسير
وكان الإمام بداه عزيز النفس عزة إيمانية ناشئه من قول الله عز وجل ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون )وقول الله عز وجل ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )
وكأن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي الأديب الشاعر قاضي قضاة الري عناه بقصيدته الرائعة التي يقول فيها
يقولون لي فيك انْقِباضٌ وإنما ... رأَوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَمَا
أرَى الناسَ مَن داناهمُ هان عندَهمْ ... ومن أكرَمتْه عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرِمَا
ولم أقْضِ حَقَّ العلمِ إن كنتُ كلما ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرتُه لِيَ سُلَّمَا
وما كُلُّ بَرْقٍ لاح لي يسْتفزُّنِي ... ولا كلُّ مَن في الأرضِ ألقاه مُنْعِمَا
إذا قيل هذا مَشْرَبٌ قلتُ قد أرَى ... ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا
ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهْجَتِي ... لأخدُم مَن لاقيْتُ لكن لأُخْدَمَا
أأشْقَى به غَرْساً وأجْنِيه ذِلَّةً ... إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أسْلَمَا
ولو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوه صانَهُمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظِّمَا
ولكنْ أهانُوه فهَان ودَنَّسُوا ... مُحَيَّاه بالأطْماعِ حتى تجهَّمَا
وكان الإمام بداه يزن الناس وفق معايير الدين فمن رفعه الدين رفعه ومن وضعه الدين وضعه ، وكان يسمي أصحاب السلطان والجاه الذين لا يهتمون بأمر الدين (بأهل روصْهم ) ولقد أحيا الله بالإمام بداه علم الكتاب والسنة ولم يكتف في ذلك بتأليف الكتب بل ناضل في هذا السبيل وحاور وناقش وفرَّغ وقته وجهده لهذا الأمر وأعلن ولم يجامل ولم يحاب
وأوصل خطابه للعامة بعد أن أوصله للنخبة وصار من يحضرون درس الإمام بداه يدركون كثيرا من المسائل الفقهيه والأصولية نتيجة لتكرار الشيخ بداه لها وتوضيحها وشرحها
وقد حفظنا منه هذه الأبيات التي كان يرددها في دروسه
خالفوني وأنكروا ما أقول قلت: لا تعجلوا فإني سئول
ما تقولون في الكتاب؟ فقالوا هو نور على الصواب دليل
وكذا سنة الرسول وقد أفـ ـلح من قال ما يقول الرسول
واتفاق الجميع أصل وما تنـ ـكر هذا وذا وذاك العقول
وكذا الحكم بالقياس فقلنا من جميل الرجال يأتي الجميل
فتعالوا نرد من كل قول ما نفى الأصل أو نفته الأصول
فأجابوا فناظروا، فإذا العلـ ـم لديهم هو اليسير القليل
وحفظنا منه قول منذر بن سعيد رحمه الله:
عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلا: هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا: قال سحنون مثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت: قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعا: أنت قرن مماحك
وإن قلت: قد قال الرسول؛ فقولهم أتت مالكا في ترك ذاك المسالك
وقد تيسرت مهمته التجديديه الإصلاحية لأنه لم يكن خارجا على المذهب المالكي ولا متبنيا لآراء شاذة وإنما كان يرجح ما رجحه الدليل ويختار من أقوال المالكية ما وافق الدليل
وفد ألف في هذا المجال كتبه القيمة التي أحدثت ثورة في مجال التبصر والرجوع إلى الكتاب والسنة وترجيح ما رجحه الدليل وقد حشد الإمام بداه في كتبه النقول عن أساطين المذهب المالكي ووضع بين أيدي العلماء وطلاب العلم نفائس ما كان يتيسر العثور عليها
اللهم اغفر لبداه وارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه فى الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له فى قبره. ونور له فيه ».
من المراجع في ترجمة الإمام بداه المتعلقة بنسبه وتاريخ مولده وشيوخه رسالة تحفة الأواه بالتعريف بابن البوصيري بداه للأستاذ المصطفى بن الشيخ محمذن فال بن الشيخ محمدُّ بن حبيب الرحمن بن الشيخ محمدُّ بن حبيب الرحمن